بيان | اللقاء القومي النهضوي: بيان إلى الشعب السوري

سوريا اليوم تواجه أشد المراحل خطورة في تاريخها الحديث. فإضافة إلى احتلال معظم أراضي فلسطين وإحلال الكيان اليهودي مكانها والعمل على ابتلاع ما تبقى منها، إما بالقضم أو ببناء المستوطنات في الضفة الغربية، ولاحقاً في غزة، هناك الأخطار التي تتهدد باقي كيانات الأمة. فعلى صعيد الأردن، ثمة خطر متوقع ناتج من تهجير فلسطينيي الضفة الغربية إليه.
أما ما تبقى من أهل غزة، فبعد الإبادة الجماعية التي يتعرضون لها، هناك مشروع تهجيرهم إلى مصر الذي يبقى المخطط الأكثر احتمالية.
وفي لبنان، لا يخفي الكيان اليهودي أطماعه في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، أو ربما وصولاً إلى نهر الأولي. وفي الشام، فإضافة إلى احتلالها هضبة الجولان وضمّها إليها بتشجيع من الرئيس الأميركي المنتخب ترامب، وأخيراً، وهذا هو الأخطر، السيطرة على مرتفعات جبل الشيخ وما تعنيه من الوجهة الاستراتيجية.
يبدو أن سقوط نظام حكم حزب البعث فتح شهية الكيان مجدداً وترجم أطماعه بالتوغل في الشام لبضعة كيلومترات وتدميره لقوة البلد العسكرية، وأن تجاهل ذلك من قبل الحكم الجديد أمر مدان.
فبين الاحتلال اليهودي الصهيوني في الجنوب والمتمدد إلى جنوب لبنان من جهة، والخطر الذي يتهدد الأردن من جهة ثانية إلى الخطر المستجد في الشام من احتلال وضرب للبنية العسكرية، إلى التناغم المدروس والممنهج بين الكيان اليهودي وتركيا العثمانية الإخوانية برعاية وإشراف من الولايات المتحدة، كل ذلك يبدو كأنه مخطط ينفذ على مراحل للوصول إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي طالما تحدثت عنه الإدارة الأميركية. ومن خلال هذا الشرق الأوسط الجديد، تبرز بوضوح أطماع العدو الإسرائيلي التاريخية بالوصول إلى حلم «إسرائيل الكبرى»، كما تبرز الأطماع التركية بنكهة إخوانية في أجزاء من الشام. ولم يخفِ إردوغان هذه الأطماع بإعلانه أن حلب وحمص ودمشق هي محافظات تركية.
أضف إلى كل ذلك المخاطر التي تتهدد العراق الذي تم إنهاكه نتيجة الاحتلال الأميركي والانقسامات الطائفية والمذهبية التي أضعفته، كما تبرز أيضاً في هذا الخضم المصالح الأميركية المتمثلة في موضوع النفط والغاز.
إذاً، نحن نواجه حقيقة تحديات هائلة تطاول كامل وجودنا القومي والإنساني والحضاري، وتطاول هويتنا القومية ونسيجنا القومي والشعبي.
يمكن تلخيص السيناريوات المحتملة في الشام وحصرها في ثلاث:
1- تقسيم الشام إلى دويلات سنيّة، علوية، كردية، ودرزية، مع العلم أن هذا الأمر حصل سابقاً إبان فترة الانتداب إنما لم يطل الأمر بالشام أن عادت إلى الوحدة مجدداً.
2- إبقاء دولة الشام موحدة، إنما منزوعة السلاح تمهيداً لإجراء عملية التطبيع مع الكيان اليهودي من خلال صفقة سلام (استسلام) بين الكيان وما تبقى من كيانات سورية.
3- سيناريو الفوضى الذي قد تكون «حظوظه» هي الأوفر نظراً إلى تعدد الفصائل (حوالي 16) من جهة، ولكونها هي الوريثة الشرعية لتنظيمات «داعش» و«النصرة» الإرهابية والتي هي صناعة أميركية.
تضاف إلى هذه السيناريوات مخاطر محتملة، وذات احتمالية كبيرة منها نشوء دولة إسلامية حليفة لتركيا ومطبّعة مع العدو الإسرائيلي.
إلا أن هذه المشهدية القاتمة ليست هي النهاية ولن تكون كذلك، لأن لنا من حيوية شعبنا ومن حيوية نخبه وقواه الحية المعين الأكبر للتغلّب على جميع محنه وويلاته الكثيرة.
وفي هذا السياق، فإن ثمة مهامّ ملقاة على عاتق شعبنا السوري في كل كياناته، وبالأخص في الشام حيث يتمركز الخطر الأكبر الذي يهدّد قلب الأمة وينتقل منه إلى بقية الأعضاء.
وبالفعل، فقد بدأت تحركات شبابية وثقافية في دمشق وحلب واللاذقية ومرشحة للانتقال إلى عموم الكيان. ويبقى الرهان الوحيد على حيوية الشعب السوري على تحرير كل الأرض السورية المحتلة من الاحتلالات الصهيونية والتركية والأميركية، وبناء الدولة المدنية الحديثة دولة المواطنة والعدالة والمساواة، وعلى بذور النهضة المتجذرة عميقاً في الوجدان السوري العام والتي لا بد ستعطي الثمار الموعودة ولو طال الزمن.
ختاماً، كل هذه التحديات تفرض قيام الخطة المعاكسة لمواجهتها في كل مندرجاتها، من خلال تنظيم حالة الرفض والمقاومة لكل الاحتلالات الأجنبية ومقاومة الخطر الاستيطاني التوسعي الذي يجسّده الكيان اليهودي المصطنع على أرض فلسطين وامتداداته في الجغرافيا القومية، ورفض كل محاولات العدو لإسقاط حق العودة للفلسطينيين خارج فلسطين، وإدانة التهجير وجرائم الإبادة التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني في غزة، وكذلك التصدي لكل مشاريع التقسيم والتفتيت على قاعدة مذهبية وطائفية، والعمل من أجل تحقيق وحدة الأمة والمجتمع وترسيخها في الواقع السياسي والاجتماعي من خلال بث الوعي القومي وتصليب الإرادة القومية وتجسيدها في الفعل النضالي القومي الاجتماعي حتى تحقيق أهدافنا في الوحدة والحرية والتنمية والاستقلال الحقيقي والنهوض لنحجز مكاناً لائقاً لأمتنا تحت الشمس.
